• السيد ناصر شقور

رقاد والدة الاله

نحتفل في عيد رقاد والدة الإله بحدثين أولهما موت ودفن العذراء والثاني انتقال جسدها للسماء. يسيطر هذان الحدثان على صلوات العيد. تكرم الكنيسة والدة الإله منذ فترة الرسل، فالإنجيلي لوقا يردد قول العذراء: “فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تُطوّبُني” (لو48:1)، الإنجيليون لم يتكلّموا عن العذراء إلاّ بقدر ارتباطها بالمسيح. فلم يذكروا مولدها ولا رقادها. فماذا يقول التقليد الكنَسي عن رُقاد والدة الإله؟ إنّ ما ذَكرَه يوحنا الدمشقي في عظاته الثلاث الشهيرة حولَ رُقاد السيدة، ينقل التراث الشفوي الّذي شاعَ في الكنيسة منذ القرون الأولىَ. وقد أكدّ الدمشقيّ في عظته الثانية أنّ المسيح الملك بنفسه قد حضرَ إلى مضجع والدته ليتسلّم بيديه الإلهيتين الطاهرتين نفسَها المقدّسة الكليّة الصفاء والطهارة وليُلبسها حلّة عدم الفساد، فقالت له عندئذٍ: "بين يديك يا بني أستودع روحي. فتقبّل نفسي العزيزة عليك والتي حفظتها من كلّ إثم. إليكَ أعيدُ جسدي وليس إلى الأرض، فاحفظه سالماً هذا الجسد الّذي تنازلتَ إلى السكنىَ فيه والّذي بولادتكَ منه قد حفظتَ بتوليته".

إن الرّب يسوع أعلم والدة الإله برقادها، بملاك، قبل حدوثه بثلاثة أيام. هذا ملأها فرحًا لأنّها اشتهت أن تصعد إلى ابنها وإلهها. لذلك توجّهت إلى جبل الزيتون لتصلّي في سكون، كما كانت عادتها. رقدت والدة الإله بسلام واستقرّت، أبهى من كلّ نور، بين يديّ ابنها وإلهها الذي ظهر بمعيّة رئيس الملائكة ميخائيل وجوق من الملائكة. تمّ رقادها بلا ألم وبلا قلق، كما كان وضعها لإبنها دون أوجاع. تداخلت أصوات الملائكة بأصوات البشر إكرامًا لرقادها. وقد استعاد العديد من المرضى عافيتهم. حسد اليهود وحقدهم جرى التعبير عنه بإثارة زعمائهم قومًا للتعرّض للمحمل الذي سجيت عليه والدة الإله. وإذ تجاسر كاهن اسمه، التراث يلفونياس على الدنو منها انقطعت يداه. لكنّه تاب وآمن واستعاد اليدين بنعمة الله. وآخرون ضربوا بالعمى آمنوا بالرّب يسوع وجرى شفاؤهم.

جرى دفن والدة الإله في بستان الجثسمانية. هناك أقام الرسل في الصلاة ثلاثة أيّام. أما توما الرسول لم يحضر الجنازة. وصل إلى جثسماني في اليوم الثالث وقد استبدّ به حزن عميق. كان يرغب في أن يلقي نظرة أخيرة على والدة الإله راقدة ليتبرّك منها. ولأجل إصراره قرّر الرسل فتح الضريح ليتسنّى لتوما أن يُكرّم الجسد المقدّس. فلما رفعوا الحجر الذي يسد المدخل استبدّ بهم الدهش لأن الجسد كان قد اختفى. وحده الكفن الذي اشتمل والدة الإله كان هناك وقد اتخذ شكل الجسد. كان هذا دليلاً على انتقال والدة الإله إلى السماء.

إنّ انتقال والدة الإله هو نموذجٌ عن انتقال نفوس المسيحيّين بشكلٍ عامٍّ إلى العالم الآخر. نقول إنّ أمواتنا "رقدوا" أو "انتقلوا"؛ إلامَ يشير ذلك؟ هذا يشير إلى أنّه ما من موتٍ بالنّسبة للمسيحيّ، فالمسيح قهر الموت على الصّليب. لكن ثمّة انتقالٌ، أي إعادة ترتيبٍ لحالته، ما يعني أنّ روحه تكون في مكانٍ آخر، وزمنٍ آخر، وعالمٍ أبديٍّ آخر لا نهاية له يتخطّى القبر؛ وهذا هو المقصود بكلمة "رقاد". إنّه كحلمٍ مؤقّتٍ سيعيش بعده الأموات جميعهم بصوت الرّبّ وبوق رئيس الملائكة الرّهيب والبديع، ويخرجون كلٌّ إلى موضعه: إمّا إلى قيامة الحياة أم إلى قيامة الدّينونة (يوحنّا 29:5). هذا ما يقصده المسيحيّ بالانتقال. وينبغي لنا أن نكون مستعدّين للانتقال هذا، يوم القيامة العامّة والدّينونة، اليوم العالميّ الّذي يفوق الوصف، المـُدوَّن في الكتاب المقدّس.



21 views0 comments