• السيد ناصر شقور

أحد أباء المجمع المسكوني السابع نيقية

عقد هذا المجمع في مدينة نيقية من 24 أيلول إلى 13 تشرين الأول سنة 787م وقد دعى إلى هذا المجمع الإمبراطورة إيريني. وقد كانت الغاية من هذا المجمع هو الحرب على الأيقونات تأثراً بأفكار غير مسيحية بخصوصها، حيث تم جر الأيقونات في الشوارع وتدنيسها وتحطيمها. وقام بتحريم تكريمها الإمبراطور لاون الثالث (717-741).

في القرنين الثامن والتاسع، تعرّضت أيقونات المسيح ووالدة الإله والقديسين، والذين يكرّمونها، لانتقادات واسعة واضطهادات عنيفة امتدّت في أنحاء الإمبراطورية البيزنطية، وبقيت ما يزيد على المائة والعشرين سنة. ويرى مؤرخو اللاهوت أن هذه الانتقادات التي تفاعلت كثيراً -والتي تحوّلت الى اضطهادات شرسة في أوائل القرن الثامن- كانت على الدوام موجودة، ولو بصورة كامنة، في داخل المسيحية، ذلك أن بعض المسيحيين المتزمّتين ظلّوا مقتنعين بمبدأ الناموس اليهودي الذي يرفض التصوير بأنواعه، ويعتبرون أن فيه رواسب من عبادة الأصنام الوثنية.

ابتدأ هذا النزاع -الذي عُرِفَ بحرب محطِّمي الأيقونات- في العام 726، عندما أعلن الإمبراطور لاون الثالث عن رغبته في إبطال السجود للأيقونات، وطلب رفعها الى مكان عال لإتمام قصده. ولقد لقيت هذه الرغبة العدائية تأييدا من بعض الأساقفة (ممن كان عندهم شكوك حول التعليم عن صحة السجود للأيقونة)، في حين رفَضَها الكثيرون، وفي مقدّمتهم جرمانوس بطريرك القسطنطينية الذي أُوقف بسبب معارضته للإمبراطور. لم يُعرف السبب الحقيقي لعداوة لاون للأيقونة، غير انه يُرجَّح بأنه "استقاها من معاشرته لأعداء الأيقونات في المناطق الشرقية" . وقد يكون سمع بعض انتقادات حولها من المسيحيين الجهلة. في العام 730 أصدر لاون بيانه الأول ضد الأيقونات، فأُخليت الكنائس من الأيقونات ، وطُليت جدرانها المصوّرة بالكلس، وأُحرقت الملابس الكهنوتية المزيّنة بها... وعُذِّب كثيرون ممن كانوا يؤيّدون الأيقونة، واستُشهد بعضهم.

أمام هذه العداوات المشينة انبرى الكثيرون ليدافعوا عن استقامة العقيدة، وتميَّز بينهم القديس يوحنا الدمشقي الذي سهّل عمَلَهُ -وجَعَلَهُ في مأمن من أذية الإمبراطورية الرومانية- انه كان يقيم داخل نطاق الحكم الإسلامي. أنشأ الدمشقي ما بين العام 728 والعام 730 ثلاث رسائل في وجوب تكريم الأيقونات المقدسة، دحض بها لاونَ وأتباعَه الذين لم يفهموا -برفضهم كل تصوير لله- كل معاني تجسُّد ابن الله الوحيد، ومما قاله انه: "في الحقبة القديمة لم يكن تصوير الله ممكنا، لانه لم يكن قد اتخذ جسدا ولا شكلا. اما الآن، بعدما ظهر الله بالجسد وعايش البشر، فإنني أُصوِّر الله الذي يمكنني أن أراه، والذي اصبح مادة من أجلي، ولن أنقطع عن احترام المادة التي اكتمَلَ بها خلاصي".

ميّز الدمشقي بين عبادة الله والتكريم المرفوع الى الرسم الأصلي للأيقونة، اذ قال: "نحن المسيحيين نسجد للأيقونات، للمرسوم لا للمادة، ونقدّم التكريم ولكن لمن هم مرسومين عليها". ولعلّ أشجع مواقفه انه عاب على الإمبراطور التدخّلَ في قضيّة كنسية محض، فإنه -كما يقول- لا شأن للأباطرة أن يشرّعوا في الكنيسة، لأن هذا "من خصائص الرعاة والمعلّمين". وحذا حذوه في الغرب المسيحي بعض أساقفة رومية (البابا غريغوريوس الثاني والبابا غريغوريوس الثالث)، فهدّدوا لاون الثالث بِحَرْمِهِ، مما حدا بالإمبراطور أن انتزع المقاطعات الرومية في جنوب إيطاليا وشرق الإليريكون من سلطة البابا وأخضعها للقسطنطينية، الأمر الذي كان نقطة حاسمة بالنسبة الى تحوّل العلاقة بين رومية والقسطنطينية.

بعد وفاة الإمبراطور لاون الثالث في العام 740، تولّى الحكم قسطنطين الخامس (الزِبْليّ)، الذي واصل الحرب على الأيقونة، فحاول أن يدعم حملته بمساندةٍ كنسيةٍ رسميةٍ، فدعا الى مجمع في القسطنطينية في العام 754، حضره 338 أسقفا لم يكن بينهم بطريرك واحد؛ دان هذا المجمع، الذي سُمّي بـ"المجمع الذي بلا رأس"، إكرام الأيقونة، واعتبرها عبادة وثن، وحكم على القديس يوحنا الدمشقي وكل من يؤيد الصور ولا يُتلفها. استمر الوضع على هذا الحال الى أن استلمت الحكم الإمبراطورة أيريني كوصية على ابنها قسطنطين السادس، وكانت من مؤيّدي الأيقونات، فدعت الى مجمع مسكوني عُقد في نيقية في السنة 787م.

وكان هذا المجمع برئاسة بطريرك القسطنطينية القديس تراسيوس. اشترك في المجمع 350 مطراناً. وكان للرهبان 136 ممثلاً، وعدد من الكهنة، نابوا عن بطاركة رومية والإسكندرية وإنطاكية وأورشليم.

وفي ختام المجمع أصدروا التالي: إنّنا نحافظ على كل تقاليد الكنيسة حتى يومنا هذا بلا تغيير أو تبديل. ومن هذه التقاليد الصور الممثّلة للأشخاص... وهو تقليد مفيد من عدّة وجوه، لاسيما إذ يظهر أنّ تجسّد الكلمة إلهنا هو حقيقة وليس خيالاً أو تصوّراً، ولأنّ الصور عدا ما فيها من إشارات وإيضاحات تثير المشاعر الشريفة. ولذلك نحن باتّخاذنا... تقليد الكنيسة الجامعة الملهمة من الله... نحدّد بكل حزم وتدقيق أنّه كما يُرفع الصليب الكريم المحيي، هكذا يجب أن تعلّق الأيقونات الموقّرة المقدّسة المصنوعة بالدهان أو من الفسيفساء أو من مواد أخرى في كنائس الله المقدّسة وأن توضع على الأواني المكرّسة والحلل الكهنوتية، وأن تُرفع وتعلّق في المنازل وفي الطرق، ونعني بذلك صور ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح وأيقونة سيّدتنا الكلية الطهارة والدة الإله وأيقونات الملائكة المكرّمين وجميع القدّيسين والأتقياء لأنّه بتكرار مشاهدتهم في رسومهم يسهل على الشعب أن يتذكّر الأصل وتثار فيه الرغبة للاقتداء بسيرتهم. ويجب أن يقدّم لهذه الأيقونات الإكرام... دون العبادة المختصّة بالطبيعة الإلهية وحدها. وحسب العادة التقوية القديمة يجوز أن يقدّم البخور وتضاء الشموع أمام هذه الأيقونات وأمام الصليب الكريم المحيي... لأنّ التكريم الذي يُقدَّم للصورة إنما يقدَّم للأصل الذي تمثّله.


14 views0 comments